أبو علي سينا

19

التعليقات

في الخلق ، أعنى ما يتبع الخلق طلب كمال لم يكن لو لم يخلق . وهذا لا يليق بما هو واجب الوجود من جميع جهاته ، فإن قال قائل : إنا قد نعقل أفعالا بلا غرض ولا يكون لنا فيه نفع كالإحسان إلى الناس من دون أن يكون لنا فيه فائدة ، فكذلك يصح أن يكون واجب الوجود يخلق الخلق لأجل الخلق لا لغرض آخر يتبع الخلق كما نحسن إلى إنسان - قلنا إن مثل هذا الفعل لا يخلو عن غرض ، فإنا نريد الخير بالغير ليكون لنا اسم حسن أو ثواب أو يثنى هو أولى بأن يكون لنا من أن لا يكون بحسن يطلبه اختيارنا ، أو نكون قد فعلنا أمرا واجبا . وفعل الواجب فضيلة أو منقبة أو محمدة ، إن لم نفعل ذلك الواجب لم يكن لنا ما يتبعه من هذه الأشياء . وعلى كل حال فالغرض فائدة . وقد بيّنا أن الغرض هو السبب في أن يصير الفاعل فاعلا بعد أن لم يكن . ولا يجوز أن يكون لواجب الوجود بذاته الذي هو تام ، أمر يجعله على صفة لم يكن عليها ، فإنه يكون ناقصا من تلك الجهة ، وتلك الصفة إما أن تكون فضيلة أو نقصانا . وعلى جميع الأحوال فإن ذلك لا يليق به : لا النقصان ولا التكميل . فقد عرف إرادة واجب الوجود بذاته وأنها بعينها علمه ، وهي بعينها عناية ، وأن هذه الإرادة غير حادثة ، وبيّنا أن لنا أيضا إرادة على هذا الوجه . [ قدرة الواجب ] بيان قدرته : كما أن البارئ الأول إذا تمثل تبع ذلك التمثيل الوجود ، كذلك نحن إذا تمثلنا تبعه الشوق ، وإذا اشتقنا تبعه لتحصيل الشئ حركة الأعضاء . واعلم أن القدرة هي أن يكون الفعل متعلقا بمشيئة من غير أن يعتبر معها شئ آخر . والقدرة فيه عن علمه فإنه إذا علم وتمثل فقد وجب وجود الشئ . والقدرة فينا عند المبدأ المحرك ، وهي القوة المحركة لا القوة العالمة - والقدرة فيه خالية عن الإمكان ، وهو صدور الفعل عنه بإرادة فحسب ، من غير أن يعتبر معها وجوب استثناء أحد الجزءين ، لا أنه أراد ولا أنه لم يرد . وليس هو مثل القدرة فينا هي بعينها القوة ، وهي فيه العقل فقط . فإنه إن لم يعتبر على هذا الوجه كان فيه إمكان ، وواجب الوجود منزه عن ذلك . وكذلك إن لم يعتبر أن قدرته هي بعينها إرادته وعلمه كان في صفاته تكثّر . فيجب أن يكون مرجعها إلى العلم كما كان مرجع إرادته إلى علمه . والإرادة فينا تابعة لغرض ، ولم يكن فيه لغرض البتة غير ذاته . والإرادة فينا تختلف لأن الأغراض فينا تختلف . وفي الأبديات والكواكب لا تختلف الأغراض ، فلا تختلف الإرادات ، فكأن أفعالها الصادرة عنها صادرة عن طبع لعدم الاختلاف فيها . وكذلك القدرة فيه مخالفة لقدرتنا ، فإنها فيه بغير إمكان وفينا بإمكان ، وإرادة الشئ غير تحصيله . فإن إرادة الشئ بالحقيقة